أحمد بن محمد المقري التلمساني

340

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وفي أهل بلنسية يقول بعض الشعراء حين خرجوا في ثياب الزينة والترفه : [ الكامل ] لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستم * حلل الحرير عليكم ألوانا ما كان أقبحهم وأحسنكم بها * لو لم يكن ببطرنة ما كانا قال ابن بسام : وهكذا جرى لأهل طليطلة ، فإن العدو - خذله اللّه تعالى ! - استظهر عليهم « 1 » ، وقتل جماهيرهم ، وكان من جملة ما غنمه الفرنج من أهلها لما خرجوا إليهم في ثياب الترفه ألف غفارة « 2 » خارجا عما سواها . [ أخذهم بربشتر قصبة بلد برطانية ] وقال ابن حيان : وكان تغلب العدو - خذله اللّه تعالى ! - على بربشتر قصبة بلد برطانية ، وهي تقرب من سرقسطة ، سنة ست وخمسين وأربعمائة ، وذلك أن جيش الأرذمليس « 3 » نازلها وحاصرها ، وقصّر يوسف بن سليمان بن هود في حمايتها ، ووكل أهلها إلى نفوسهم ، فأقام العدو عليها أربعين يوما ، ووقع فيما بين أهلها تنازع في القوت لقلته ، واتصل ذلك بالعدو ، فشدّد القتال عليها والحصر لها حتى دخل المدينة الأولى في خمسة آلاف مدرّع ، فدهش الناس ، وتحصنوا بالمدينة الداخلة ، وجرت بينهم حروب شديدة قتل فيها خمسمائة إفرنجي ، ثم اتفق أن القناة التي كان الماء يجري فيها من النهر إلى المدينة تحت الأرض في سرب « 4 » موزون انهارت وفسدت ، ووقعت فيها صخرة عظيمة سدت السّرب بأسره ، فانقطع الماء عن المدينة ، ويئس من بها من الحياة ، فلاذوا بطلب الأمان على أنفسهم خاصة دون مال وعيال ، فأعطاهم العدو الأمان ، فلما خرجوا نكث بهم وغدر ، وقتل الجميع إلا القائد ابن الطويل والقاضي ابن عيسى في نفر من الوجوه ، وحصل للعدو من الأموال والأمتعة « 5 » ما لا يحصى ، حتى إن الذي خص بعض مقدّمي العدو لحصنه وهو قائد خيل رومة نحو ألف وخمسمائة جارية أبكارا ، ومن أوقار الأمتعة والحلي والكسوة خمسمائة جمل ، وقدّر من قتل وأسر مائة ألف نفس ، وقيل : خمسون ألف نفس ، ومن نوادر ما جرى على هذه المدينة لما فسدت القناة وانقطعت المياه أن المرأة كانت تقف على السور وتنادي من يقرب منها أن يعطيها جرعة ماء لنفسها أو ولدها « 6 » ، فيقول لها : أعطيني ما معك ، فتعطيه ما معها من كسوة وحلي وغيره .

--> ( 1 ) استظهر عليهم : قوي ، وتمكن منهم . ( 2 ) الغفارة : منديل تغطي المرأة به رأسها ، أو زرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة ، وكلا المعنين ممكن هنا . ( 3 ) في ب « الأردمليس » . ( 4 ) السّرب ، والسّرب : قناة الماء . ( 5 ) أوقار الأمتعة : الأمتعة الثقيلة وأراد أحمالا ثقالا من الأمتعة . ( 6 ) في ب ، ه « أو لولدها » .